محمد طاهر الكردي

181

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

نساؤه صلى اللّه عليه وسلم به عندها ، فلما رأوا ما به اجتمع رأي من في البيت على أن يلدّوه وتخوفوا أن يكون به ذات الجنب ففعلوا ( واللد : صب الدواء في أحد شقي الفم ) ، ثم إنه صلى اللّه عليه وسلم استأذن نساءه في أن يمرّض في بيت عائشة رضي اللّه تعالى عن الجميع فأذن له - فخرج صلى اللّه عليه وسلم عاصبا رأسه يمشي بين رجلين من أهله أحدهما الفضل بن العباس والثاني علي بن أبي طالب ، تخط قدماه ، حتى دخل بيت عائشة رضي اللّه عنها - وعنها أيضا كما هو في الصحيح ، قالت : لددناه في مرضه صلى اللّه عليه وسلم ، فجعل يشير إلينا أن لا تلدوني ، فقلنا : كراهية المريض للدواء ، فلما أفاق ، قال : ألم أنهكم أن تلدوني ؟ قلنا : كراهية المريض للدواء ، فقال : لا تبقي أحد في البيت إلا لد ، وأنا انظر إلا العباس فإنه لم يشهدكم - رواه البخاري في باب مرض النبي صلى اللّه عليه وسلم ووفاته . وعن عائشة ، قالت : كانت تأخذ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، الخاصرة ، فأخذته يوما فأغمي عليه حتى ظننا أنه قد هلك ، فلددناه ثم فرج عن النبي صلى اللّه عليه وسلم وقد لدوه ، فقال : من صنع هذا ؟ فهبته ، فاعتللن بالعباس ، واتخذ جميع من في البيت العباس سببا ولم يكن له في ذلك رأي ، وتخوفنا أن يكون بك ذات الجنب ، فقال : إنها من الشيطان ولم يكن اللّه عز وجل ليسلطها علي ولا ليرميني بها ، ولكن هذا عمل النساء . لا يبقى أحد في البيت إلا لدّ ، إلا عمي العباس فإن يميني لا تناله ، فلدوا كلهم ولدّت ميمونة وكانت صائمة لقول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ثم خرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى بيت عائشة ، وكان يومها - بين العباس وعلي والفضل ممسك بظهره ورجلاه تخطان في الأرض - حتى دخل على عائشة رضي اللّه تعالى عنها ، فلم يزل عندها لا يقدر على الخروج من بيتها إلى غيره حتى توفي صلى اللّه عليه وسلم . قالت عائشة : ما رأيت أحدا كان أشد عليه الوجع من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم - روي أنه كان لا يكاد تقر يد أحد عليه من شدة الحمى ، فقال : ليس أحد أشد بلاء من الأنبياء ، كما يشتد علينا البلاء كذلك يضاعف لنا الأجر . وعن عبد اللّه بن مسعود ، رضي اللّه تعالى عنه قال : دخلت على النبي صلى اللّه عليه وسلم وهو يوعك فقلت : يا رسول اللّه إنك لتوعك وعكا شديدا ، قال : أجل إني أوعك كما يوعك رجلان منكم ، قلت : ذلك بأن لك أجرين . قال : أجل ذلك كذلك ما من مسلم يصيبه أذى شوكة فما فوقها إلا كفر اللّه به سيئاته كما تحط الشجرة ورقها . كما جاء ذلك في الصحيح . والوعك : الحمى .